الشيخ محمد علي الأنصاري
130
الموسوعة الفقهية الميسرة
اصطلاحات متقاربة مع التقيّة : هناك اصطلاحات ربَّما يقع التباس بينها وبين التقيّة ، لا بأس بتوضيحها لرفع هذا اللبس ، وهي : 1 - المداراة : قال ابن الأثير بعد أن روى حديث : « رأس العقل بعد الإيمان باللَّه مداراة الناس » : « المداراة غير مهموز : ملاينة الناس وحسن صحبتهم واحتمالهم ؛ لئلّا ينفروا عنك ، وقد يهمز » « 1 » . وقال الجوهري : « مداراة الناس تهمز ولا تهمز ، وهي : المداجاة والملاينة » « 2 » . وقال أيضاً : « دارأته وداريته : إذا اتّقيته ولايَنْتَه » « 3 » . وقال ابن منظور : « المداراة في حُسن الخلق والمعاشرة مع الناس ، يكون مهموزاً وغير مهموز ، فمن همزه كان معناه الاتّقاء لشرّه ، ومن لم يهمزه جعله من دريت الظبي ، أي احتلت له وختلته حتى أصيده » « 4 » . والمهموز يكون من « درأ » أي دفع ، تقول : درأت شَرّه وخطره ، أي دفعته ، فالمدارأة : المدافعة والاتّقاء من شرّ من دارأته . والمداراة بمعنى ملاينة الناس وحسن صحبتهم أمرٌ مرغوب فيه ومطلوب شرعاً ، وسيأتي ذكر بعض الروايات الواردة بهذا الشأن . وإنّما الكلام في صدق التقيّة على ذلك ، فصريح كلام الجوهري وظاهر كلام ابن منظور إطلاق التقيّة عليه . وهذا هو الظاهر من بعض الفقهاء ، حيث رتّبوا آثار التقيّة عليه ، وأسموه ب « التقيّة المداراتيّة » ، وسيأتي الكلام عنها ، إن شاء اللَّه تعالى . ولكن نشير هنا إجمالًا إلى أنّ التقيّة كما هو المستفاد من مجموع كلام الفقهاء ، خاصّة الذين عرّفوها ، تشتمل على عنصر الخوف وأنّ الداعي لإظهار الموافقة هو الخوف ، ولذلك فهي تستلزم نقصاً - بحسب الظاهر - في الدِّين ؛ لأجل موافقة من يخاف منه ، ومخالفة ما هو الحقّ عنده . وهذا بخلاف المداراة بالمعنى المتقدّم ، حيث لا يستلزم ذلك على نحو العموم ، نعم قد يستلزمه أحياناً . فمثلًا حضور تشييع جنازة المخالف مداراةٌ وليس فيه نقص في الدِّين ، وكذا عيادته وزيارته ونحو ذلك ممّا يجلب القلوب ، بخلاف وضوء المتّقي على طبق رأي المتّقى منه ، حيث يكون ناقصاً في نظر المتّقي . 2 - المداهنة : وهي مفاعلة من الدُّهن ، ولذلك قيل في
--> ( 1 ) النهاية ( لابن الأثير ) : « درى » . ( 2 ) الصحاح : « درى » . ( 3 ) الصحاح : « درأ » . ( 4 ) لسان العرب : « درأ » .